الحلم المسروف
كتبهامحمد السهلي ، في 15 حزيران 2007 الساعة: 20:54 م
العاشق
ضربوه وما اعترف.. قطعوا يده اليمنى فاستمر في صمته.. بتروا اليسرى وأَصَرَّ على عدم الاعتراف .. قلعوا عينيه فما نبس ببنت شفة.. لكنه، وقبل أنْ يقطعوا لسانَه بثوان اعترف لي بأنه يعشق بلادَه حتى النخاع.
كان يشبهني
سمعتُ عنه الكثير.. تابعتُ أخبارَه.. قلَّما كان يستقر في مكان.. لَفَظَتْهُ الموانئُ كلُّها، وحَطَّمَتْ الريحُ أَشْرعتَه. نظرتُ إلى المرآة، فرأيتُه أمامي وجهاً لوجه.. كان السندبادُ يشبهني، وكان مثلي يبحث عن وطن.
الحفيد
قال والدموع تغطي صفحة الوجه: تسللتُ البارحة إلى حيث كان بيتُنا.. أنهكني التعبُ فقعدتُ عند حافة الوادي.. هَدْهَدَتْني نسماتٌ نديةٌ فَغفوتُ.. استيقظتُ على حَمْحَمَةِ حصان.. اقترب منّي وراح يشمُّني بشغف.. عانقْتُه فطفَرتْ مِن عينيه دمعتانَ ساخنتان.. لقد عرفني وعرفتُه.. إنه حفيدُ حصانِ أبي.
عند قدميْ جبل الكرمل
في كل صباح؛ كانت تَسْتَحِمُّ في عين ماء عند قدميْ جبل الكرمل.. وفي يوم نحسٍ مُستمرّ، نزلتْ إلى تلك العين واستَحَمَّتْ بأمان الله كعادتها كل صباح، ثمّ راحت الشمسُ تمشطُ شعرَها الذهبي على قمة الجبل.. وقبل أن ترمي عباءَتها على جسدها العاري؛ داهَمها جَمْعٌ من اللصوص واختطفوها إلى مغارة.. رآها القمر، فَقَهْقَهَ، ثم راح يلهو مع نجمة مومس تدلَّت من شعرها ست جدائل.
القوس والنّشّاب
كلما ظهر سلاحٌ متطور، اشتروا منه الكثير، وبأغلى الأسعار فَعَدوُّهم خبيث لا يُؤْمَنُ جانبُه. تكدَّس السلاح لديهم.. ولم يُعرف بَعْدُ لماذا تُصِرُّ هذه العشائر حتى الآن على استخدام القوس والنشّاب؟!!
النرجس
تَفَتَّحت عيناه على مرج ابن عامر ترصِّعُه أزهار النرجس.. كلما أطلَّ من الشرْفة صباحاً، يملأ صدرَه أريجُ النرجس الذي تحملهُ نسماتٌ تردُّ الروح. اقتلعوه من المرْج.. ألقوا به في عتمات الغربة.. وكان عندما يرى نرجسةً يطلُّ الوطنُ أمام عينيه.. خمسون عاماً مضيْن ورائحة النرجس معششة في الرئتين.
فداء
في إحدى الهبّات، عندما زُلْزِلَت الأرضُ زلزالَها، اعتُقِلَ الكثيرون، وسيق معظمهم إلى الموت. نُصبت أعواد المشانق.. جاء دورُه، فتقدم نحو الأنشوطة بثبات.. وقبل أن يتدلّى جسدُه، ارتسمَتْ على شفتيه ابتسامة، وأغمض عينيه باطمئنان، لأنه استطاع إقناعَهم بأنَّ أخاه الأصغر الذي كان برفقته، لم يشارك في صنع الزلزال.
الأصص
شرفات الدار مطرَّزة بالأصُص.. فيها نباتات وأزهار من كل ما يخطر على البال، تُسقى في الصباح بعد أن تمتدّ إليها خيوط الفجر.. غادَرَها السقاةُ منذ خمسين عاماً.. ظلَّتْ مُخضَرَّةً.. لكنَّ الحنين يشويها، والشوق إلى العناق يكويها.. تنام السنون، وتبقى المواجعُ مستيقظة.
اللقّاطون
ورثوا عن أجدادهم غابات من أشجار الزيتون المعطاء.. قاسَمَهُم في خيراتها ناسٌ غرباء. ثم صار أصحاب الزيتون يعملون أُجَراءَ يَتَبَعَّرون ما بقي من حبّاته.
أبو النمر
كلما شاهدوه سخِروا منه.. إذا تكلَّم أبو النمر لم يستمع إليه أحد.. وفي ليلةٍ غاب عنها ضوء القمر، شَنَّ الأعداء هجوماً على القرية.. تساقَط الكثيرون، وانهزم المعتدون.. وفي الصباح الباكر شاهد المزارعون جثة (أبو النمر) وقد مَزَّقَها الرصاص عند مشارف القرية، وبالقرب من جثته، شُوهد ثلاثة قتلى من المعتدين.
أشواك
قامت القيامة في (الرملة).. اختار الغزاةُ لأهل المدينة ممراً في منطقةٍ تغمرها الأشواك، وأجبرتهم على الرحيل عبر هذا الممر.. مات الكثيرون من شدة التعب أو العطش.. لم يفطن أبو العبد إلى أنَّ الطفلةَ كانت تغفو على أحد كتفيه، إلا عندما انفجر لغم أرضي في الطريق، وأحسَّ أبو العبد أنَّ سائلاً ساخناً يُبَلِّلُ قُمْبَازَه.. تَحَسَّسَ جسدَه فوجده سليماً.. لكنّهُ أدرك أنّ شَظيةً قد أصابت الطفلةَ في رأسها.. تنحى جانبا.. حفر حفرةً صغيرةً على عَجل، وواراها الثَّرَى.. ثمّ مضى في رحلة الغربة وحيداً، بعد أن وَدَّعَ وحيدَته.
عَطَش
ضَرَبَ بعصاهُ الحجرَ؛ فانفجرت منه عيون الماء.. شربتْ كُلُّ العشائرِ وارتوَتْ.. اقتربتْ تلك العشيرة من العين التي خُصِّصَتْ لها.. مُنِعَ عنها الماء.. وما تزال العشيرةُ تعيشُ عَطَشَها.
لقاء
الظلام الدامس يلفّ الحيّ، وجنود الاحتلال يملؤون الأزقة والحارات.. قالت الصغيرة: أريد جبنةً عكاويةً يا أبي.. قال الأب: كلي ما تَيَسَّر الآن، فالمحلات مغلقة، والصباح رباح.. بكت الصغيرة وأصرَّت على أن تأكل الجبنة العكاوية.
- إذهب يا خالد، هات لأختك قرص جبنةٍ عكاويةٍ من المحل المجاور، وإياك أن تتأخر.. نزل الصبي وأتى بقرص الجبنة من المحل .. أمسك به بعض الجنود، واقتادوه مع العديد من الناس إلى معسكر مجاور .. أطلقوا سراحه بعد ساعات، فعاد إلى الدار مسرعاً يحمل قرص الجبنة العكاوية..
الدار تصفر فيها الريح، فقد غادرَتْها الأسرة.. راح الصبي يمشي مع جمع من الناس قادتهم الدرب إلى بلد عربي مجاور، وتبيَّن أن أهل الصبي لم يغادروا البلاد، وبأنهم عادوا إلى مدينتهم. مر نصف قرن من الزمان.. حصل الصبي الذي صار في الستين، على تصريح جمع الشمل.. وعند حافة الجسر التقيا: الصبي وأخته التي صارت في حيطان الستين.. تعانقا طويلاً ثم قال: خذي، قالت: ما هذا؟ قال: افتحيها.. فَتَحَت الورقة، فكان في داخلها قرص جبنة عكاوية!!!
لمْ تَمُتْ
قَطَّعَتِ السيوفُ أوصالَها.. بقرَت الخناجرُ بطنَها.. التفَّت القيودُ حوْلَ مِعْصميها.. كتَّفُوها مئات المرَّات بالسلاسل، ثم ألقوا بها في دياجير الظلمة.. لكنَّ الكلمة لم تَمُتْ.
شقاء
أكَل المنجلُ مِن كَفَّيْه.. قَطَعَ رحلةَ العمرِ وهو يعارك السنابلَ كلّ حصاد.. ثم مات قَبْلَ أن يَمْلأ البرغلُ بطونَ أولادِه!
دِقَّة
قَطَع عليها غناءَها. متى وُلِدْتُ يا أماه؟ صَفَنَتْ قليلاً ثم قالت: وَلَدْتُكَ يومَ وَلَدَتْ بقرةُ أبي راجح عجلاً أَصْبَح. ومن يومها وهو يبحث عن تاريخ ميلاد ذلك العجل الأصبح.
خيول وفئران
انزلَق بين الخيول الأصيلة.. تَجَوَّل بينها بِخُيَلاء.. حاول أن يقلّد صهيلَها فلم يفلحْ.. حَلَّ موعد حذاء الخيول، فرفع الفأر رِجْلَه!
أسماك القرش
قالت سمكةٌ صغيرةٌ لواحدةٍ مثلها وقد جمعتْهُما شبكةٌ واحدةٍ: لماذا لا يلتقي هنا إلا صغار السمك؟ قالت صاحبتُها: إنَّ الصّياد لا يجرؤ على صيد الأسماك الكبيرة، وقد فعلَها أحدُهم مرّةً، فابتلَعَتْهُ سمكةُ قرشٍ مع شِباكه.
القلب الخشبي
يقسو على كل من حوله.. يشتد على أقرب الناس إليه.. يسفك دماء كرامتهم.. يحوّلهم دوماً إلى أرقّاء.. فتحوا صدرَه، وفي موضع القلب عثروا على صحنٍ خشبي.
القَبو
أنزلوه في قبوٍ شديد الرطوبة.. قالوا له: غداً صباحاً ستخرج.. ولم يكذبوا عليه، فقد أشرقَت شمسُ غدِه بعد سبْعٍ مِنَ السنين العجاف!!
شخير
تحدثتُ إليه طويلاً.. شرحتُ نظريات عديدة.. شَرَّقْتُ وغَرَّبْتُ.. ثم أوقفَني عن الحديث شخيرُه.
مَوّال
أحبتْه فكان مَوّالَها، وهو لا يدري بها.. تزوَّج مِنْ أُخرى وراح في سبيله، فانسدَّت سبيلها. التقيا.. كان شاباً وسيماً.. اقترنتْ به . لكنّها ظلَّتْ تغنّي مَوّالها.
الضفة الأخرى
كان يفصل بينهما نهر .. أراد أن يعبر النهرَ إليها.. لكنْ ينبغي له أن يتعلَّم العَوْمَ. ظَلَّ ردحاً من الزمان يتدرب، وعندما أَتقنَ السباحةَ مات غَرَقاً قبل أمتار من الضفة الأخرى.
الصمت
فرضوا عليه الصمتَ سنين.. كلامهم علقم .. تحمّل آلام الاستماع إليهم.. وعندما حاوَل الكلامَ، مزّقوه.
خياران
كان هناك مَلِك، وكان يأخذ كلَّ فتاةٍ في المدينةِ غَصْباً.. كلٌ منهن يريدها عذراء، فإن كانت ثَيّباً تركها وشأنها، وأَمَر ببيع أبيها في سوق النخاسة.. اتفقت الفتيات فيما بينهن على أمر، وفي صباح أحد الأيام، شوهد كل الآباء يباعون في سوق النخاسة وهم يبتسمون.
الشمس لا تشرق من هناك
أحَبَّها فتزوَّجها.. كان يعلم أنها تحب ابنَ عمّها الذي تزوج من فتاة أخرى.. لذلك فقد قَبِلَتْهُ كرهاً، وعاشت معه كرهاً. عقود من السنين مضت، وهو يحاول عبثاً إقناعها بأنّ الشمسَ لا تشرق من قفا ابنِ عمّها.
مخاض
خَطَبها له بعضُ الأقارب.. أقاموا لها عرْساً صار له طَنَّةٌ وَرَنّةٌ.. أرسلوها إلى تلك البلاد البعيدة، حيث كان ينتظرُها.. أغلق الباب، وقبل أن يلتفتَ إليها صاحتْ مِن وَجَع.. فلقد جاءها المخاض!!
سفينة نوح
منذ ثلاثين عاماً، عندما كانت في الأربعين؛ سألوها عن عمرها، فقالت إنها في العشرين.. وبعد عشرين عاماً تبين أنها كانت تشارك في جمْع الخشب لبناء سفينة نوح.
كَدَرٌ وَطِين
عند البئر كان لقاؤهما الأول.. تعارَفا، وتجدَّدَ اللقاء.. أَحَبَّها وأحبتْه فتزوَّجها.. أمضيا معاً ردْحاً طويلاً من الزمن.. دخل حياتهما من استطاع أن يقصم ظَهرَ الحب، فتفرّقا.. وعند حافة البئر التقت برجل آخر.. لكنّ الفارس الجديد جاء متأخراً، لأن ماء البئر قد صار كدَراً وطيناً.
وحيد
دخَل نفقَ الأيام.. أَحَسَّ أنها تُمسِكُ يدَه وتعبُر النفقَ معه.. شعر براحةٍ غريبة. انشقَّ النفقُ بعد حين.. غادر (محمد البهلول) ظلامَ النفق وعانَقَ خيوطَ الشمس.. وارتمى حزيناً عندما اكتشف أنه كان وحيداً في النفق.
إبريق الزيت
تكلَّم القومُ كثيراً، فتشابكتْ أصواتُهم.. وجاء مِن هناك رجلٌ.. تكلم، فسكتَ الجميع.. وما يزال الرجل يحكي لهم حكاية إبريق الزيت!
اللحاف
برد (كانون) يقص المسمار.. يمدُّ المرء إصبعه في الظلام فلا يراه.. تسلل إلى الأَزِقّة الموحلة التي صار أهلُها في سابع نوم.. تسلّق الجدارَ الطيني المتداعي.. وبخفة الفهد كان في الغرفة التي يهجعون فيها.. ليس فوقهم إلا لحاف عتيق يخفي بعضَهم ويكشف عن بعضهم الآخر. أشفق على الصغار الذين علت الزرقةُ وجوهَهم.. قفز إلى دارٍ مجاورة.. سرق لحافاً وعاد إلى الصغار.. وضعَ اللحافَ فوقهم، ثم غاب في الظلام!
الطوفان
كانت ترافقه في حِلِّهِ وترحاله، وتلازِمُه كظلِّه.. القاعةُ تغصُّ بالمفكّرين.. صَعدَ المنبر، لكنها لم تصعد معه.. حَرَّك يَدَه اليمنى ثم اليسرى، لكنّ لسانَه لم يتحرك.. ماتت الكلماتُ في حَلْقِه.. تذكَّرَها فجأةً فقال: ناوِلوني العصا.. أَمْسَكَها، فانطَلَقَ لسانُه، وراح طوفانُ الكلمات يُغْرِقُ القاعة.
حصاد
حرثوا الأرضَ، ثم ألقوا الحَبَّ واتَّكَلوا على الرَّب.. قالت السماء: خذوا، فكان العطاء.. لبست الأرضُ حلةً بهيةً.. وفي موسم الحصاد، يَمَّموا وجوهَهم شطر السنابل الذهبية.. وقَبْلَ أنْ يرفعوا مناجلهم، حصدوهم.. وَقَبْلَ أنْ يُؤتوا السنابلَ حقَّها يوم حصادها، ضاع حقُّهم.
عكاز الكلمات
حكى لهم الكثير .. لم يشاهدوه مرةً إلا وهو واقف أمامهم يتكلم.. ملّته المنابر.. ثمّ صارت كلّ كلمة من كلماته تتكئ على عكاز، وصار حديثه سحابة صيف.
الحلم المسروق
تقفز الكرة الصغيرة، فتقفز نظراته معها، وتلتصق عيناه بها.. صارت سنامَ أحلامه.. تمنى امتلاك واحدة.. وتحقق الحلم الكبير.. في وقفة العيد اشترى جابر الطابةَ (أم سبع جلود).. ركض نحو الدار.. فتح الباب.. قذف الطابة بقدمه، فطارت صوب الجدار في قاع الدار.. ارتدَّت من فوق رأسه، وسقطت في البئر.. وماء البئر نهر جارٍ تنتهي مياهه في البساتين.. سقط قلبه.. توجه إلى البساتين البعيدة.. ركض على مد بطنه.. وعند نهاية النهر قعد بانتظار الكرة / الحلم… انقصف عمر النهار، وأرخى الليلُ عباءَته.. عاد جابر من حيث أتى، وظل يبكي وينوح كلَّ أيام العيد، على الحلم الذي سرقه البئر، وجرفه النهر.
المهلهل
مضى المهلهل شاهراً سيفه.. رفض الصلحَ مع الخصوم.. حاولَ الكثيرون إقناعه بأنْ يعيد السيفَ إلى غمده.. أصرَّ المهلهل على أن يُطَلِّقَ السيفُ غمدَه، وأقسَم ألا يعيدَه إلا في حضن الوطن.. وعند حافة الوطن وُجِدَ المهلهل مذبوحاً.
شوق إلى يوم الخميس
أذاقوه مُرَّ العذاب على مَرِّ السنين.. وفي لحظةٍ جاء الفرَج.. قالوا: سنبيعُك صباح الجمعة القادم بثمنٍ بخسٍ.. دراهمَ معدودة.. قال الحمار: إنني سأترككم مساء الخميس.
البنطال
جَرَّه أبوه إلى منزل خيّاط تربطه به صلة من القربى… لم يدرك الصبي من الأمر شيئاً، لكنّ أباه أخرج من تحت إبطه إحدى بطانيات الإعاشة… طلبَ إلى الخياط أن يخيط البطانية بنطالاً للصبي، فهي سميكة وتقتل البرد.
لقد كان الصبي يسبق كل التلاميذ في السباق الذي كانت تنظّمه المدرسة.. لبس بنطالَ البطانية فصارَ آخر طفل في السباق!
غيْرَة
رَبّوها كل شبْرٍ بنذْر.. سقوها بدمع العيون.. رَوَّوْها بدمائهم.. ثم ارتحلوا إلى العلياء، فغارَت منهم الشمس.
اضطراب
دَبَّت الفوضى بينهم.. عاشوا اضطرابا تِلْوَ اضطراب.. يكلِّم بعضُهم بعضاً، ولا أحد يفهم ماذا يقول الآخر. وجاء من أقصى القرية رجلٌ عاقل، فتدفَّق الماء، وهدأ الجميع.
صباح
انحشر الجميع في نفق مظلم مسدود.. اختلط الصياح بالأنين.. وفي لحظة صار عملاقا.. دق جدار النفق بكلتا يديه.. انفتحت كوة في الجدار، فأطل وجه الله.. تدفق سيلهم خارج النفق.. اطمأن إلى أنهم قد خرجوا جميعاً سالمين.. وعندما همَّ بالخروج انهار سقف النفق، وفي تلك اللحظة، أحس بيد حانية تمتد إليه .. فتح عينيه.. فقالت أمه: استيقظ يا ولدي فقد طلع الصباح.
إبصار
انطفأ النور في عينيه، وظل على تلك الحال عقوداً من الزمن.. قادَتْهُ قدماه إلى هناك.. أَحَسَّ فجأَةً أنه يغوص في الماء.. تَحَسَّسَ صفحةَ الماء.. وَضَعَهُ على وجهه، فارتدَّ بصيراً.
حَطَب
التفّوا حوله.. كلّ يبتغي مرضاته.. يتردّدون عليه في كرْم العنب كل يوم. جَفَّ الكْرمُ، وأصابَ الجفافُ منه مقتلاً.. طار الصحاب.. انفَضُّوا مِن حوله، وتركوه قائماً بين أنقاضِ الحَطَب.
الصَّنْدَل
مضى حافياً برفقة أبيه.. وفي الطريق خارت قوى الصبي.. أراد التوقف.. حثه أبوه على متابعة السير.. ووجَد الصبيُّ نفسَه في قلب سوق (الصرامي).. ابتاع له أبوه صندلاً بنّيّاً.. فرح الصبي.. دسَّ قدميه في فردتي الصندل.. عادا إلى منزلهما مشياً.. وصل الصبي مهدود الحيل.. خرج من المنزل واندلق في الحارةِ مسرعاً.. لعب بالطابة المصنوعة من الخرق البالية.. انقطعت إحدى فردتي الصندل.. عاد إلى المنزل حزيناً يحمل صندله.. أمسَك الوالد العجوز بمحفظة النقود الفارغة وهزَّها في وجه ولده. وفي الصباح، لم يذهب الصبي إلى المدرسة.. ولم يحضر الامتحان.. رسب في صفه.. وعادت بَكَرةُ الأيام عاماً إلى الوراء.
هَدْمُ الجدران
أقسَم ألا يفصلها عنه إلا الموت.. أبعدوه عنها.. بنوا بينهما حواجزَ وجدراناً شاهقة.. لكنه كان يراها كل يوم، كلما أوى إلى فِراشه.. ومن يوم يومِه وهو يكره اليقظة.
وجهٌ مرعب
تحدَّثوا طويلاً، والبساط كان أحمدياً.. استمر الحديث، لكنه هذه المرّة كان إيمائياً.. فقد أطلّ من تحت البساط الأحمدي وجهٌ مرعب.
انتصار
أدهَشَني منظره، فقد كان عارياً تماماً (ربي كما خَلقْتَني) ويبدو أنه لمح أمارات الدهشة على وجهي فقال: قل لي بربك ماذا نفعل؟ جاء اللصوص فسرقوا أرضَنا، ثمّ تكرّموا علينا عندما سمحوا لبعضنا بأن يقيم خياماً فوق أرضهم / أرضِنا.. ولكنهم منذ ذلك الحين يَشُنّون علينا زيارات ليلية مفاجئة.. يمزّقون سراويلنا ويذهبون.. اجتمع القوم لدراسة الموقف.. وخرج شيخ العشيرة بقرار يَنصّ على أنْ نُفَوِّتَ عليهم الفرصة.. ومن يومها ونحن نعيش من غير سراويل.
بقايا حطب
انتشرت الكروم الخضراء في كل مكان.. وفي كل كرم انتصب عرزال أو عرزالان.. تهاوت عرازيل كثيرة، فشبت نيرانٌ لم تترك في الكروم سوى بقايا حطب.
الخروف
انتظر حلول العيد بفارغ الصبر.. الخروف صار جاهزاً للذبح بعد أن كبر وصار سميناً.. حل العيد الذي لم يكن من قبل حزيناً.. شوهد أبو عصمان يسبح بدمائه، وقد هُشمَ رأسه.. وشوهد إلى جانب جثته الممزقة، خروفٌ يبتسم ، وفي يده سكين حادّة تقطر دماً!!
قسَم
عندما يكونون خارج أسوار مدينتهم، يُقْسمون بغربتهم.. حَلَّ الغرباء داخل الأسوار، فَطارَ العكَّاويون إلى البعيد.. أقسَمَتْ عكا ونَذَرتْ أنْ تظلَّ على الشطّ واقفة.. عيناها معلقتان بالأفق البعيد خلف البحر.. حَلَفَتْ ألا تغتسل إلا إذا عادوا. عقودٌ من السنين مَرَّت، وتلتْها عقود.. شاخَ الأهلُ، وظلَّت عكا صبية.. استفاقت الصَبيّة ذات صباح واغتسلت بماء البحر، فمِن بعيد أطَلَّت صاريةٌ، ثمَّ تلتها صوارٍ كثيرة تملأ البحر، يرفرف فوقها العلم العربي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 17th, 2007 at 17 يونيو 2007 3:52 م
سعدت لمروري من هنا وأحببت ما قرأت تأثرت بما يحمل من معاني انسانية مخلوطة بالواجب والضمير
شكرا