أحلام محرّمة

كتبهامحمد السهلي ، في 15 حزيران 2007 الساعة: 20:43 م

دستور من خاطركم
كيفما سار يرى وجوههم.. إنهم يلاحقونه في كل مكان.. وعند النوم يبرزون له فيفسدون عليه أحلامه.. تذكر أنه كان قد وقع مرة عند عتبة الدار، ولا ريب أن "أهل الأرض" هم الذين يلاحقونه.. وعند العتبة، سكب بعض الماء البارد، ثم قال: دستور من خاطركم، فأطلت تلك الوجوه من جديد. 
*          *          *
السندان
 راح القدوم يدق الرؤوس من حوله بلا رحمة فيهرسها.. أطلت من بين الرؤوس رأس كبيرة.. فصار القدوم سنداناً.
 *          *          *
الكوز والجرة
 تفننوا في تعذيبه، ولبث في السجن سنين.. أخلوا سبيله لعدم ثبوت الأدلة.. ودق الكوز بالجرة.. أعادوه مرة ثانية، حيث وردتهم معلومات تفيد أنه ربما كان قريباً من سد مأرب، قبل دقائق من انهيار السد.
 *          *          *
أبو دعيبس
 جمعت بينهما الظروف.. أبو إبراهيم كان يكره الأرض التي يدعسها أبو دعيبس، فلقد أذاقه مر العذاب.. طقت مرارته، لقي وجه ربه.. تلقته ملائكة الرحمن على باب الجنة بالترحاب.. لكن الحزن لم يفارق أبا إبراهيم، سيق أبو دعيبس إلى جهنم.. عندئذ أدرك أبو إبراهيم أنه يجلس على أريكة في الجنة.
 *          *          *
القطن والعلّيق
 ديار القبيلة منيعة الجانب محمية.. إحدى عشائر القبيلة فقدت حقها في الديار.. تشتت أهلها في الجهات الأربع.. حق العشيرة صار قطناً ناعماً.. طيرته الرياح، فعلقت ذراته في الأشواك وفي كل نبات العليق..
 *         *          *
كساد
فاض صاع القبيلة بالكلام.. الكلام الفائض علبوه.. تكومت علب الكلام في مستودعات القبيلة.. أعلنوا عن نيتهم بتصديرها.. لكنهم لم يبرموا عقداً واحداً.. وصار كلام القبيلة كاسداً.
 *          *          *
الظهر
 ضربوه على بطنه فقال: آه يا ظهري.. لم يستجب له أحد.. وبعد حين أدرك أن ظهره قد انكسر.
 *          *          *
المسبحة
 جمعتهم مودة عارمة.. كل يخاف على الآخر من نسمة إذا مرقت.. يداريه كما لو كان عيناً بها رمد.
فجأة؛ انقطع الخيط، فتطايرت حبات المسبحة في كل اتجاه.
 *          *          *
الخازوق
 الخازوق يتقدم سريعاً.. صرخات الألم تزداد حدة، وقهقهات من مكان قريب تنفجر.. تختلط الصرخات بالقهقهات.. الخازوق لا يتوقف.
توقفت الصرخات، وتوقفت معها آخر أنفاسه..
واستمرت القهقهات تشفياً بموت من نشر بينهم صناعة الخوازيق.
 *          *          *
الجدار
 الجدار شاهق.. عصي على الارتقاء.. صمد الدهر أمام الغزاة.. مضت السنون.. الجدار شاهق لم يعد شاهقاً.. انحنى ظهره وكاد يلامس الأرض، فقفزت من فوقه الكلاب.
 *          *          *
عبوس
 يقطب جبينه.. لا يفارق العبوس خلقته الناشفة.. لا يضحك حتى للرغيف الساخن. أخيراً شاهد البعض بسمة تومض على شفتيه.. فصار الخبز رخيصاً.
 *          *          *
نباح
 ربا الجرو الصغير في أحضانها.. علمته القطط كيف يموء.. ومرت من أمام الدار مجموعة من الكلاب.. لحق بها الجرو، فملأ نباحه الساحة.
 *          *          *
المسلة
 تحدثوا في حضرته عن الخصال المشينة.. تململ واعتراه انفعال شديد.. وكانت في جنبه مسلة، فانغرست في خاصرته.
 *          *          *
الديك
 يصيح الديك ويطلع الفجر.. ظن البعض أن الفجر لا يطلع إلا بصياحه. مات الديك.. لكن الفجر ظل يبزغ كل يوم.
 *          *          *
المخرز
 يجول المخرز ويصول.. كثيرون وقفوا في وجهه.. الحرب سجال.. كثر الضحايا والسبايا.. وشوهد الكف يلاطم المخرز ويدميه.
 *          *          *
الحيّة
 جلس الجميع فوق كومة التبن.. اطمأنت نفوسهم.. أحسوا لين العيش وطراوته.. ومن كومة التبن انطلقت حية ملساء.
 *          *          *
رمضان كريم
 لا يعرف الصوم في رمضان منذ ولدته أمه. حل شهر الصيام هذا العام.. أعلن أنه صائم، فأفطروا جميعاً.
 *          *          *
القط
 حضرت جموع الفئران.. كل يرتدي أجمل ما عنده.. جاؤوا يودعونه؛ فهو ذاهب لأداء فريضة الحج.. عاد من الحج.. تحلقوا حوله يهنئونه، فصار القط سميناً.
 *          *          *
طعام للكلاب
 استخدموه أعواماً طوالاً.. حملوا عليه أثقالهم.. نقلوا فوق ظهره الحجارة والصخور.. امتطوا ظهره في ترحالهم.
كبر الحمار.. نحل جسمه.. صار جلداً على عظم.. تثاقلت مشيته، فصار طعاماً للكلاب.
 *          *          *
القيود
 نصف قرن من الزمان، والقيود والسلاسل تطوق السواعد.. الصدأ يعلو سلاسل الفولاذ.. القيود تهترئ.. خالط الحديد لحم الجسد.. أفرزت الدماء مادة صهرت الفولاذ، فتكسرت القيود.
 *          *          *
النبيذ
 يكد ويتعب طوال اليوم.. وينام أطفاله على لحم بطونهم.. يستيقظون.. لقمتهم مغمّسة بالدم.. يصير عرقهم خمرة للآخرين، ودماؤهم نبيذاً من النوع الرخيص.
 *          *          *
ثقيل
 يتطاول على كل من حوله.. ليس عنده كبير ولا حتى الجمل.. في محاولة لتحليل دمه؛ وجدوه متخثراً في كل أنحاء الجسد، لكنه يجري في العروق بتثاقل.
 *          *          *
ماذا يهم؟
 أطفؤوا الشمس، وغاب القمر.. لكنه لم يكترث.. ثم مضى يتحسس طريقه، يسبقه عكازه.
 *          *          *
الحنّاء
 رباه صغيراً.. كان يقطع اللقمة عن نفسه ويطعمه.. كبر وصار شاباً، فأنكر الحناء وأثرها.
 *          *          *
الجوز الفارغ
 كلما سمع حكاية تعجبه، ادعى أبو على الأطرم أنه بطلها، فهو يحب أن يطعم نفسه جوزاً فارغاً..
اغتيل أحد جنود الاحتلال.. ولم يهتد المحتلون إلى معرفة الفاعل.. وسجلوا القضية ضد مجهول، دارت الأيام.. كان أبو علي الأطرم يتحدث إلى كل من يصادفه، بأن شرطة العدو تتهمه ظلماً باغتيال الجندي.. تناهت أخبار الإشاعة إلى مسامع العسس.. فداهموا بيته واعتقلوه.
 *          *          *
كف أبيض
 عرفه الناس في كل أنحاء البلاد، بأنه لم يسرق ولم يرتش طوال حياته.. أسموه " صاحب الكف الأبيض ".
دفعه بعضهم صوب المستنقع.. قاوم بكل قواه.. لم يسقط، لكن أحد كفيه انزلق في ماء المستنقع الآسن.. نظر إلى كفه الملوث، ثم بتره.. لكن بقي له كف آخر أبيض.
 *          *          *
الكلمة
 كان نافذ القول.. كل أفراد القبيلة ينفذون ما يقول.. كلمته لم تنزل الأرض مرة.. هي تخترق الآذان وتستقر في القلوب. جار الزمان، فسقطت الكلمة.
 *          *          *
العهد المطعون
 كلمته ورأسه سيان.. يقطع العهد ويمضيه، وإن كلفه العهد حياته. ومال الدهر، فصار قوله كبوله.
 *          *          *
اللسان
 هوت عليه سيوفهم، ونجا.. استخدموا كل ما لديهم، فلم تصبه منهم قترة.
أشرعوا ألسنتهم فمات.
 *          *          *
السّروال
 وقف بصلابة مفتعلة.. رفض أن يذيّل الورقة بتوقيعه.. صاح في وجه الرجل:
- هذا الطلب ليس نظامياً.
عاد الرجل بعد دقائق، وفي يده مغلف منتفخ.. سلمه للموظف الكبير، فسقط سرواله.
 *          *          *
اللص
 بعد محاولات كثيرة، أقنعته بالذهاب.. وصفت له دارها وعنوانها.. أعطيته اسمها واسم أبيها.. رجوته أن يترفق في الحديث، كي لا يرفضني أبوها.. وانتظرته ساعات فلم يرجع.. وعلمت في اليوم التالي أنه قد خطب لنفسه من أحب.
 *          *          *
تافه
 يكيلون له المديح بالصاع إذا حضر.. ويبالغون في إكرامه إذا حل بينهم.
وقع يوماً في حفرة.. تسابقوا لإنقاذه.. وفوجئ الجميع عندما رأوا أمامهم قفة وقد ملئت بالقمامة.
*          *          *
كان
 قال لصديقه وهو يحاوره: " كان " فعل ماض ناقص، وهذا الفعل يؤرقني ويسبب لي مغصاً.. أحاول أن أخفف عن نفسي فأقول: وما يضيرنا، ألسنا ننتمي إلى هذا الفعل؟
قال الصديق: ويحك، أما علمت أن هذا الفعل يكون في بعض الحالات تاماً؟
 *          *          *
الجليد
 عافته النفوس.. يرمي بثقله على الآخرين.. " يتصاقع " عليهم.. نظر مرة إلى صفحة ماء البحيرة.. فماج الماء وصار جليداً.
 *          *          *
الرغيف
 كاد الجوع يفتك به.. لمح رغيفاً يركض.. وعلى نفس واحد ركض خلف الرغيف.. زادت سرعة الرغيف.. تعثر الرجل ووقع في حفرة.. تهشمت أضلاعه؛ وغاب الرغيف.
 *          *          *
الغرباء
 وضع فمه على ثدي أمه.. زاحمه أطفال كثيرون، وكانوا غرباء. وقبل أن يتذوق الصبي حليب أمه فطموه.. وعندما صار شاباً، طرد الغرباء، وعاد يحبو نحو ثدي أمه.
 *          *          *
على مضض
 سبّوه وكالوا له الشتائم.. سلقوه بألسنتهم.. أطفؤوا بصره، وما ردّ عليهم بكلمة.
رأيته بالأمس.. كان الجرح في القلب، وفمه بالماء قد ملئ.
 *          *          *
وجه خشبي
 ما أكثر ما صفعوه على وجهه. ولم تترك الصفعات أثراً.. صفحة الوجه ثابتة اللون، لا أثر فيها لانفعال أو إحساس.
اقترب منه أحدهم.. تحسس وجهه، فأدرك أنه قدّ من خشب.
 *          *          *
الرأس
 عند شاطئ النهر، عثر على سمكة كبيرة.. حملها وعاد إلى الدار فرحاً.. نظر إليها.. تفحصها.. وجد رأسها فاسداً.. فعرف أن السمكة يفسد كلها، إذا فسد منها الرأس.
 *          *          *
رأس النبع
 يجري الماء في النهر صافياً رقراقاً.. الحصى الفضي يلمع من خلاله.. تكدر الماء، وحاروا في الأسباب، ثم عرفوا أن العكر يأتي من رأس النبع.
 *          *          *
حظ
 اشترى دكاناً في راس الحارة.. أنفق أموالاً طائلة حتى صارت الدكان صالوناً للحلاقة. انتظر شهوراً طويلة.. لم تكتحل عيناه برؤية زبون واحد.
وفي يوم، تدفق على الصالون جمع من الناس.. لكنهم كانوا قرعاناً.
 *          *          *
البصّارة
 كان يعرف أنه ذو حظ عاثر.. لكنه " بيض الفال" ، ورمت " البصارة" حبات الودع.. قالت: ستصبح عظيماً ذا شأن، وستكون في مأمن من جنود الاحتلال.. ولم تكد تلفظ كلماتها، حتى كانت دورية معادية تلتف حولهما وتلقي بهما في إحدى عربات الجيب.
 *          *          *
البصيرة
 تنتشر الحفر في كل مكان.. أشعة الشمس تلفهم من كل حدب.. يسيرون بتثاقل.. يقع معظمهم في الحفر.
مر من أمامهم رجل لم تر النور عيناه، وتجاوز كل الحفر.
 *          *          *
السر
 كان يفتح محفظة النقود المهترئة، بحذر بالغ.. يحرص أن لا تراه العيون وهو يفتحها.. كانت المحفظة في جيب قمبازه عندما غادر البلاد. صار همي أن أعرف السر الذي تخبئه محفظة أبي.. وقبل أن أشارك في تشييعه إلى مثواه الأخير، فتحت المحفظة، فوجدتها خالية إلا من مفتاح علاه الصدأ.
 *          *          *
بعد فوات الأوان
 لاكت الألسنة سمعته، وتقاذفته الأيدي والأرجل.. اتهمته تلك الفتاة بأنها قد حملت منه سفاحاً. وقبل أن يغادر السجن بأيام؛ اكتشفوا أنه كان عنيناً!!
 *          *          *
ساتلايت
 راح يشن الهجوم على " الدش" وعلى من اخترعوه، وحلف الأيمان المغلظة أن لا يدخل " الدش " منزله.
اشترى جاره واحداً منها، فأمضى السهرة عنده.. وفي اليوم التالي، طلب إلى الجار بإلحاح أن يعطيه " خطاً " وأن يبقي الأمر سراً بينهما.
 *          *          *
السقوط
 كأس الماء يستريح أمامه على الطاولة.. لم يكلّف نفسه أن يمدّ يده إلى الكأس ليشرب.. نادى خادمه.. ناوله إياه فشرب.
ترجّل عندما أنزلوه عن أعناقهم.. زحف على بطنه طويلاً.. ومات عطشاً قبل أن يبلغ حافة النهر.
 *          *          *
عفة
 خرج خيط، ليدخل خيط آخر.. الخيوط لم تتوقف، ولم يفلحوا في إحصائها. ومن بعيد أقبلت إبرة تحف بها الخيوط من كل لون، ثم صارت تتباهى بعفتها!!
 *          *          *
الامتحان
 طرحوا عليه أسئلة كثيرة.. لم يتلعثم.. أجاب عنها كلها دفعة واحدة.. وتقرر مصيره.. غمره الفرح لأنه أيقن أن الملائكة لن يطرحوا عليه أسئلة أمنية.
 *          *          *
الرطب
 جلس يتفيأ ظل نخلة.. داهمه نفر من الغزاة.. قاتلهم حتى استشهد.. دمه غاص في مسامات التربة.. كبرت النخلة واستطالت، حتى عانقت السماء.. وصارت تؤتي أكلها في كل حين.. امتدت من الأرض ذراع كبيرة.. هزت جذع النخلة، فتساقط رطب جني.. أكلوا وشبعوا.. فقرّت الأرض عيناً.
 *          *          *
انتظار
 انتفض أبو ذر الغفاري، تجول في الأزقّة الموحشة.. أفزعته مشاهد الفقر المدقع، ومنظر الناس الجياع.. استل سيفه.. ركب سيارة أجرة وأسرع نحو المتخمين، وعيناه تقدحان الشرر.. لكنه لم يرجع.
 *          *          *
جموح
 دخل الحصان مضمار السباق.. تذكر أنه لم يخسر أبداً من قبل.. تلفت حوله.. نظر إلى المتسابقين. أيقن أنه سيكون الفائز الأول.. لكنه قرر الانسحاب، وغادر المضمار، لأن معظم المتسابقين كانوا من فصيلة الحمير.
 *          *          *
العرميط
 عمل العرميط حراثاً في القرية. سقف أحلامه أن يمتلك محراثاً وزوجاً من الثيران.
توقف الثوران فجأة.. السكة انغرست في الأرض.. حث الثورين بعصاه.. انطلقا بطيئين.. ظهر شيء مكوّر.. حضر صاحب الأرض.. أخذ الكنز الذي اقتلعته سكة المحراث.. واستمرت أحلام العرميط.
 *          *          *
غربة
 هناك في حضن الجبل، كان يعيش في مغارة.. ينام فيها ويصحو على أصوات الضباع وعواء الذئاب.
هبت ريح مجنونة، فطار إلى بلاد بعيدة.. أقام في بيت فسيح.. الكل يسعى لخدمته وإرضائه.. يغفو على أصوات موسيقى ناعمة، ويستيقظ على تغريد الطيور.. لكنه ظل يحلم بالمغارة.
 *          *          *
مقعدون
 دبت النخوة في رؤوسهم.. علت أصواتهم.. تحاوروا.. هددوا وتوعدوا.. برقوا وأرعدوا.. وتبين أنهم مقعدون.
 *          *          *
حنين
 سألت غيمة أختها: من أين أقبلت؟ قالت: كنا في سالف الأيام، عشيرة تعيش في مضاربها هانئة البال، إلى أن جاءها الغزو، فتبخرت وصارت غيمة كما ترين.
-   وماذا ستفعلين الآن؟.. توقف تطواف الغيمة، ثم اتخذت لها مكاناً ثابتاً فوق مضارب العشيرة.
 *          *          *
صيحة في واد
 قالت نملة: يا أيها النمل إن القوم سيمرون من أمام مساكنكم، وأخاف أن تسحقكم أقدامهم، فخذوا حذركم، وأعدوا العدة لهذا الحدث الجلل.. ضاع صوتها في الوادي، ولم يستجب لها أحد.
مر القوم، فسحقوا المساكن، وتشتت النمل.
 *          *          *
الجناحان
 فقست البيضة.. خرج زغلول الحمام هزيلاً.. سهرت أمه على تربيته، فنما واشتد عوده.. حاول الطيران، فقصوا جناحيه.
 *          *          *
عدالة مهشمة
 بعد بحث طويل، عثروا على السارق.. أقاموا له محاكمة تاريخية، وبعد مداولة قصيرة؛ صدر الحكم؛ ألقي بصاحب الحق في غيابات السجين.. وصار السارق سجاناً! 
*          *          *
أحلام محرّمة
 كالسور أحاطوا بالدار.. صاحوا عليه من خلال مكبرات الصوت؛ اخرج؛ سلم نفسك في الحال؛ البيت محاصر، ولا أمل لك في النجاة.
خرج من الدار رافعاً يديه فوق رأسه.. قادوه إلى عربة مصفحة اختفت من الشوارع بعد لحظات.
- ما هي مهمتي؟!
- ألا تعرف؟ وردتنا أنباء شبه مؤكدة، بأنهم شاهدوك متلبساً في حالة من الحلم العميق.
 *          *          *
المكحلة
 المكحلة ملآنة.. صاحبتها تتفقدها كل صباح.. استيقظت باكراً ذات صباح.. لم تعثر على مكحلتها في مكانها المعتاد؛ فعادت تتلمس الطريق.
 *          *          *
حرية
 أعلنوا موت النهار.. نشر الليل جناحين ثقيلين، وانتشرت الخفافيش في الأزقة والحارات.. انتفض النهار، وأشرقت الشمس ثانية.. فغابت كل الخفافيش.
 *          *          *
الحطب
 غرسوها بالأمس البعيد.. سقوها بالدم والدموع.. كبرت الشجرة واستطالت، وطرحت ثماراً شهية.
تركها الأحفاد، فصارت حطباً.
 *          *          *
الكوشان
 قلب الدنيا.. بحث كل الأرجاء.. فتش الزوايا؛ الحية منها والميتة.. صار كالحية التي قطع ذيلها.. لكنه لم يعثر عليه.. وظن أن آخر خيوط الأمل قد ضاع عندما ضاع الكوشان. 
*          *          *
بحر يافا
لازمه المرض.. نهشته العلل.. كابد وصبر.. كاد يفقد عقله. وصفوا له ماء الحياة.. طاف كل البلاد، بحثاً عن دوائه.. أعلموه أنهم شاهدوا ماء الحياة، لكنه بعيد هناك في بحر يافا.
 *          *          *
المخالب
 حلق النسر فوق أعشاش الغربان.. تصدى له غراب ووقع الصدام فكان دامياً.. الجولة لم تطل.. هوى النسر ميتاً، وعاد الغراب منتصراً.. تجمعت أسراب الغربان حول حطام النسر، الذي كان بلا مخالب.
 *          *          *
وضوء
 من زمن بعيد، لم تقطع فرض صلاة.. غابوا عنها من زمان.. رفضت التيمم.. عادوا إليها فعانقتهم.. نزفوا دماء غزيرة، فتوضأت الأرض وصلت للرجوع.
 *          *          *
السلّم
 جمعوا أخشاباً كثيرة؛ تكفي لبناء آلاف مثل سفينة نوح.. حيرت الأخشاب كل من شاهدها.
في نهاية المطاف، انكشف السر وبان، عندما شوهد سلم شاهق، ورأسه في عين الشمس.
 *          *          *
معلّبات
 في إحدى المضارب، تجمهر الناس على باب خيمة كبيرة.. اشتروا علباً نزلت إلى السوق مؤخراً.. فتحوا العلب.. وجدوا في كل علبة منها شهيداً..
 *          *          *
أطفال النار
 في ليلة باردة حالكة السواد.. لمح في الظلام قبساً من نار… فقال لأهله امكثوا.. ركض صوب النار المشتعلة، وانضم إلى أطفال الحجارة.
 *          *          *
كفن
 مزق اللصوص عباءته.. عروه من ثيابه.. وألقوا به في الغابة.. هاجمته الوحوش الكاسرة.. أبناء عمومته يقيمون قرب الغابة.. صاح مستغيثاً، عل أحدهم يرفو له العباءة الممزقة.. فهرع إليه أبناء العمومة وكفنوه!
 *          *          *
زيت قرمزي
 اجتمعوا.. ناقشوا.. بحثوا في أسباب استمرار انبعاث النور من ذاك السراج.. ومن فتحة السراج، رأوا زيتاً بلون قرمزي.
 *          *          *
القتلة
 تعانقوا جميعاً.. واشتغل بوس اللحى.. الدم صار للركب.. خرج من السرب وحلق للبعيد، وأصر على ألّا يبوس ذقون من ذبحوا أهله.
 *          *          *
الزعتر المدمّى
 من يوم يومها، وهي تتسلق الجبل الذي ينهض فوق القرية.. تجمع بعض النباتات وتنزل بها إلى القرية عند المساء.
أصدر المحتلون أمراً بمنع جمع الزعتر البري.. صعدت ذاك الصباح، لكنها لم ترجع في المساء.. وجدوا جثتها عند السفح، وبالقرب منها كومة من نباتات الزعتر المدمى.
 *          *          *
السيّاج
هدمت الثعالب سياج الحديقة.. جاست خلال الأزهار.. ماتت ورود كثيرة، وانقصفت نباتات الحبق في عز الشباب. تصدّوا للثعالب بصدور عارية.. سالت من الأجساد دماء غزيرة.. فسمق السياج من جديد.
 *          *          *
فرحة لم تتم
 أحبها، وبادلته الحب.. جمع مالاً وعدّده.. اتفقا على الزواج.. غمرتها فرحة.. وفي ليلة الدخلة، قرع باب غرفتهما بعد أن دخلاها بقليل.. فتح الباب والحنق يأكل قلبه.. رأى عجوزاً تلهث.. قالت: اخرج يا ولدي؛ إني قد أرضعتكما معاً!
 *          *          *
أبناء العمومة
 قال الملثم: مضارب أبناء عمي قاصية.. وبالقرب من مضارب أهلي كان الغزاة غربي النهر يتربصون.. عيونهم تقدح الشرر وتنغرس في خيامنا.. أبناء عمي حلوا في ديارنا.. سلموا، ثم يمّموا وجوههم شطر الجانب الغربي.. وعادوا.. مروا من بين خيامنا، وما سلّموا. وجاء في إثرهم أناس حرثوا أرضنا، واقتلعوا الخيام.
 *          *          *
السيف والجراد
جال السيف وصال.. حطم إيوان كسرى، وجندل عرش هرقل.. صد المغول.. قاوم التتار.. وقف في وجه الفرنجة.. وظل السيف حاداً لامعاً.
تناوله الأحفاد.. هزوه في وجه الجراد، فنبا السيف وتثلم، ثم اخشوشب.
 *          *          *
بسمة
 يمشي متلفتاً حوله.. يخاف من خياله.. يسير إلى جانب الدار ويطلب من الله الستر.
ابتسم له شيخ العشيرة، فبال على الرؤوس.
 *          *          *
عقوق
 عجن ترابها بعرقه.. قتلوه فعانقتها دماؤه. وقبل أن يفارق الدنيا، ترك لابنه كلمات: وصيّتك الأرض.
هجر الأرض.. وبعد أعوام تنكر لعظام أبيه.
 *          *          *
نجمة
 وسط الظلام الدامس.. لمعت في السماء نجمة.. حاولوا إطفاءها فتوهّجت.. حطموها فتشظّت نجوماً ملأت السماء، وهتكت حجب الليل.
 *          *          *
عطر الأرض
 إغماءة كالموت حلّت به… أحضروا له كل المنعشات.. قربوا من أنفه كل أنواع العطور.. لكنه استغرق في إغمائه.
نزل المطر.. عانقت قطراته الثرى.. فاحت رائحة الأرض، فاستفاق.
 *          *          *
هناك
 من هناك جاءت حمامة.. حطت على شرفة الدار في أرض غربته.. احتضنها.. بكى وبكت.. اغتسلت بدموعه.. وقبل أن يطلع الصباح، طارت الحمامة فكانت هناك.
 *          *          *
الجنة
 في خربة، دورها متداعية الجدران؛ حبا.. وعندما بدأ يمشي، مشى إلى الضفة الأخرى.. أمضى العمر غريباً.. وجرى الحساب فكان يسيراً.. دخل الجنة، وفيها كل ما يشتهي ويتمنى.. فتمنى أن يرى خربته.
*          *          *
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة جدا | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر